محمد غازي عرابي

714

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

فلهذا الوجود حقيقة تطلب الإنسان ، فإن رآها عرف ، ومن عرف نجا وسلم وإلا فإن غرق النفوس الجزئية حتمي في بحر النفس الكلية ، إذ ما جعل اللّه هذه النفوس إلا لتكون ميدانا لعرض قوى الأسماء والصفات والصور ، فمتى استوفت نفس أجلها ماتت وعادت إلى التراب الذي منه منشؤها ومعادها وبعثها في صفة جديدة . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 69 إلى 89 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) [ الشعراء : 69 ، 89 ] سبق الحديث عن إبراهيم عليه السّلام وموقفه من عابدي أصنام الصور ، ولما كان القصد من تأويلنا هذا استخراج الثابت من المتغير ، والأصول من الفروع ، ووعظ الناس في كل زمان ومكان ، فإننا نظل نلح على أن عبادة أصنام الصور موجودة في كل زمان ومكان ، وحقيقة الأمر أخطر مما يبلغه الخيال فكل إنسان عابد صنم ما دام ينظر إلى نفسه أولا على أنها موجودة بذاتها أولا ، وأن لها الخيرة ثانيا ، ثم ينظر إلى الناس على أنهم مثله لهم نفوسهم وإرادتهم وخيارهم وأفعالهم . . . فهو يحب من يحب ، ويخاف من يخاف ، ويعيش في دوامة من القلق والترقب والتفكر والشك وحساب الحسابات ، وهل حال غالبية الناس إلا كما نقول ؟ وما فعله إبراهيم عليه السّلام نبي التوحيد أنه ثار على قومه لما هم فيه من شرك ، والناس في شرك خفي علموا هذا أم جهلوا ، وبعد طول التفكير والتأمل أشرق نور البصيرة في قلب إبراهيم فكشفت له الآفاق وفتح له سر الوجود فإذا كل شيء عدو لإبراهيم . . نفسه وحواسه ظاهرة وباطنة ، وبخاصة الباطنة ومنها الخيال الذي يصور للإنسان ما تشتهيه نفسه ويخوفه ويجبنه ويثير فيه الغضب والشهوات ، والصديق الوحيد في هذه الدنيا هو رب العالمين الخالق أولا الإنسان من عدم أو من المادة الأولى ، ثم الهادي الذي يكتب في القلب كلمات الهدى ، فإذا الإنسان قد هدي بعد الضلالة وأنقذ من شر النفس وقواها من الغضب والشهوة ، والذي هو رب كل شيء ، والرب المحرك ومسبب الأسباب ، فهو الذي يطعم الإنسان بتيسير الرزق له ،